قالت ماريانا بوجوسيان، إن الصحة النفسية الإيجابية لا تقتصر على الشعور بالسعادة، وإنما تشمل مجموعة من الأبعاد المتداخلة التي تساعد الإنسان على الشعور بالرضا عن حياته، وتقبّل ذاته، وبناء علاقات وروابط ذات معنى، والعيش باستقلالية وهدف.


ووفقًا لمقالها الذي نشره موقع سايكولوجي توداي، حدد خبراء من ثقافات وتخصصات مختلفة ستة أبعاد أساسية للصحة النفسية الإيجابية، تشمل المعنى والهدف، والرضا عن الحياة، وتقبّل الذات، والتواصل مع الآخرين، والاستقلالية، والسعادة. وتكشف نتائج دراسة حديثة أن الصحة النفسية مفهوم متعدد الأبعاد، تتداخل مكوناته بدلًا من أن تعمل بصورة منفصلة.


أصبحت الصحة النفسية واحدة من أبرز القضايا التي تشغل اهتمام العصر. وكما ازداد الاهتمام الجماعي خلال السنوات الأخيرة بتحسين الصحة الجسدية وإطالة العمر، يبحث الناس بصورة متزايدة عن طرق تساعدهم على الشعور بالسعادة.


ويرتبط الجسد والعقل ارتباطًا وثيقًا، رغم ميلنا إلى التعامل معهما باعتبارهما مجالين منفصلين ينبغي الحفاظ عليهما. وعندما يتعلق الأمر بالعناية بالجسد، تنهال علينا النصائح بشأن ما ينبغي تناوله، وكيفية ممارسة الحركة، ومتى ينبغي الحصول على الراحة. وإذا كان الهدف هو اكتساب القوة، أو الوصول إلى وزن معين، أو تغيير بعض المؤشرات الحيوية، فعادة ما نجد مسارًا واضحًا يمكن اتباعه للوصول إلى تلك الأهداف.


لكن الأمر يبدو أقل وضوحًا عندما يتعلق بالعقل. فنحن، في البداية، لا نملك حتى تصورًا شاملًا عن الشيء الذي نحاول تحسينه، وهو مفهوم يحمل أسماء متعددة، مثل الازدهار النفسي، والرفاه النفسي، والصحة النفسية، وجودة الحياة. ويزخر مجال دراسة السعادة بالتعقيدات والالتباسات التي تفرض تحديات على الباحثين وصانعي السياسات، بقدر ما تفرضها على الأشخاص الباحثين عن السعادة.


دراسة تكشف 6 أبعاد أساسية للصحة النفسية الإيجابية

 


سعت دراسة حديثة إلى معالجة حالة التشتت التي تهيمن على أبحاث الرفاه النفسي، من خلال وضع تصنيف أولي للأبعاد التي تشكل الصحة النفسية الإيجابية.


واستخدمت الدراسة أسلوب دلفي للتوافق بين الخبراء، وهو أسلوب منظم للاستفادة من الذكاء الجماعي والوصول إلى توافق بين مجموعة من الخبراء عبر جولات متعددة من الاستبيانات. ويحصل أعضاء المجموعة بعد كل جولة على ملخص لنتائج المجموعة، ثم يعيدون تقييم إجاباتهم وتعديلها إلى أن يصلوا إلى درجة من التوافق.


ويتميز هذا الأسلوب، باعتباره أداة للتنبؤ، بعدد من الخصائص، أبرزها الحفاظ على سرية هوية الخبراء، وتكرار عملية التقييم، وتقديم تغذية راجعة منظمة، إلى جانب استقرار النتائج واتساق الاستجابات.


وشملت الدراسة 122 خبيرًا يعيشون في 26 دولة، وجميعهم باحثون بارزون من تخصصات مختلفة، بينها علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والطب.


وعرض الباحثون أمام الخبراء 26 بُعدًا محتملًا للصحة النفسية الإيجابية، إلى جانب تعريفات لهذه الأبعاد ومثالين توضيحيين لكل منها، واستند اختيارها إلى أبحاث راسخة في هذا المجال.


وطُلب من الخبراء تقييم أهمية كل بُعد بالنسبة إلى الصحة النفسية الإيجابية على مقياس يتراوح بين «غير ذي صلة» و«أساسي». واشترط الباحثون الوصول إلى نسبة توافق تتجاوز 75% بين الخبراء بشأن الإبقاء على البُعد أو استبعاده. واستبعدوا أي بُعد لم يصل إلى درجة التوافق المطلوبة بعد جولتين.


وبعد ثلاث جولات من التصويت، توصل الخبراء إلى توافق بشأن 19 بُعدًا. وحظيت ستة أبعاد على وجه الخصوص بدعم واسع للغاية، إذ تجاوزت نسبة الاتفاق على اعتبارها «أساسية» أو «مهمة» 90%.


وتشمل هذه الأبعاد: المعنى والهدف، والرضا عن الحياة، وتقبّل الذات، والتواصل، والاستقلالية، والسعادة.


وتتوافق هذه الأبعاد، بحسب مؤلفي الدراسة، مع نتائج نماذج قائمة بالفعل لدراسة الرفاه النفسي. فعلى سبيل المثال، يرى إطار الرفاه الذاتي أن المكونات الأساسية للرفاه تشمل الرضا عن الحياة، وتكرار المشاعر الإيجابية، وانخفاض تكرار المشاعر السلبية.


وتشير نظرية تقرير المصير إلى أن الرفاه النفسي يعتمد على إشباع احتياجات نفسية أساسية، هي الاستقلالية والكفاءة والارتباط بالآخرين. بينما يضم نموذج الرفاه النفسي القائم على ستة عوامل عناصر مثل الهدف، وتقبّل الذات، والاستقلالية، والسيطرة على البيئة، والنمو الشخصي، والعلاقات.


هل السعادة نتيجة للصحة النفسية أم سبب لها؟

 


واجه الخبراء عددًا من التحديات عند محاولة وضع تصور واضح للرفاه النفسي، من بينها صعوبة تحديد ما إذا كان كل بُعد يمثل عاملًا يقود إلى الصحة النفسية الإيجابية أم نتيجة لها.


ورأى الخبراء أن الفصل بين الأمرين ليس سهلًا، بسبب الترابط الوثيق بينهما. وضرب مؤلفو الدراسة مثالًا بالاستقلالية؛ إذ يمكن للشعور بالاستقلالية أن يعزز السعادة، ما يجعلها عاملًا مؤثرًا فيها، ثم تؤدي السعادة بدورها إلى زيادة الرضا عن الحياة، وهو ما قد يعزز الشعور بالاستقلالية مجددًا، لتتحول الاستقلالية بذلك إلى نتيجة أيضًا.


ومع ذلك، اعتبر الخبراء أن السعادة والرضا عن الحياة أكثر النتائج ارتباطًا بالصحة النفسية الإيجابية، بينما رأوا أن الشعور بالأمان والاستقلالية يمثلان في أغلب الأحيان عوامل تقود إليها.


ويؤكد هذا التداخل أن الرفاه النفسي ليس مسارًا خطيًا تتحرك فيه العوامل في اتجاه واحد، وإنما عملية ديناميكية يمكن أن تؤثر عناصرها بعضها في بعض باستمرار.


الرفاه النفسي مفهوم متعدد الأبعاد ويتأثر بالثقافة

 


تتسم الصحة النفسية والرفاه النفسي بطبيعة معقدة، ما يجعل دراستهما مهمة صعبة. ورغم اقتراح تصنيفات متعددة للمفهوم على مدار السنوات، واجه الباحثون صعوبة في اختزاله إلى فئات واضحة ومنفصلة.


وكشفت دراسة واسعة حديثة، شملت مشاركين من 29 دولة، أن 11 مؤشرًا للرفاه النفسي، بينها «الهدف في الحياة» و«النمو الشخصي»، تنتمي إلى مجموعات متعددة في الوقت نفسه. وخلص الباحثون إلى أن المجالات المختلفة لهذا المفهوم متعدد الأبعاد تمتلك حدودًا غير واضحة، وتتداخل مكوناتها فيما بينها.


وأشار الخبراء كذلك إلى مشكلة أخرى تتعلق بالتحيز الثقافي الغربي المهيمن على أبحاث علم النفس، وهو ما يمتد أيضًا إلى دراسات الرفاه النفسي.


وطرح الخبراء، على سبيل المثال، إمكانية إدراج مفاهيم من الثقافات غير الغربية، مثل مفهوم «إيكيجاي» الياباني، الذي يشير إلى السبب أو الغاية التي تمنح الإنسان دافعًا للاستيقاظ كل صباح.


وبناءً على توصيات الخبراء، صاغ مؤلفو الدراسة تعريفًا للصحة النفسية الإيجابية باعتبارها تجربة شخصية وذاتية، يشعر فيها الإنسان بالرضا عن حياته، ويشعر بالارتياح، ويؤدي وظائفه بصورة جيدة، وينظر إلى نفسه بصورة إيجابية.


وأشار التعريف إلى أن مستوى الصحة النفسية الإيجابية يمكن أن يتغير بمرور الوقت، ويتأثر بالطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع المشكلات والفرص التي تواجهه. كما يتأثر بعوامل عديدة، من بينها البيئة، وتجارب الحياة، والخلفية الثقافية، والعوامل البيولوجية، والسلوكيات.


ولا تعني الصحة النفسية الإيجابية غياب الاضطرابات أو المشكلات النفسية بالضرورة؛ إذ يمكن لكثير من الأشخاص امتلاك مستوى من الصحة النفسية الإيجابية والعمل على تحسينه من خلال وسائل مختلفة، حتى في ظل معاناتهم من حالة تؤثر في صحتهم النفسية.


ومع استمرار تطور الأبحاث، ستظهر بلا شك تصورات أكثر دقة وتعقيدًا للرفاه النفسي. وفي الوقت الحالي، يمكن النظر إلى هذه الأبعاد باعتبارها مؤشرات مهمة تساعدنا على توجيه اهتمامنا وجهودنا نحو حياة أكثر صحة وسعادة ومعنى.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/between-cultures/202608/what-exactly-is-positive-mental-health